محمد أبو زهرة
306
المعجزة الكبرى القرآن
البعث والجنة والنار أمور حسية 181 - يحلو لبعض المتفلسفين من الكتاب في الماضي أن يقولوا أن البعث والجنة والنار ، والحساب والعقاب والثواب أمور روحية معنوية ، وليست أمورا حسية ، وذلك قد جاء من نقص إيمانهم بالغيب ، وباطل ما يقولون وما يعتقدون فإذا كان البعث معنويا للأرواح ، فلما ذا يعجب المشركون من أنهم بعد أن يكونوا ترابا يعودون ، فإن عودة الأرواح لا تقتضى أن يكون ذلك الاستنكار ، إذ إن الأجساد التي صارت لا تعود ، ولكان الرد عليهم سهلا ، بأن يقال لهم إن أجسامكم لا تعود ، بل أرواحكم هي التي تعود . وإذا كان البعث ماديا بصريح القرآن الكريم ، فإن الجزاء يكون الإحياء بأرواحهم وأجسادهم ، والنتيجة المنطقية لهذا أن يكون نعيم أولئك الذين بعثوا من قبورهم ، نعيما لأجسادهم وأرواحهم ، ونعيم الأجساد مادي لا محالة ، ولذلك يجب الإيمان بأن نعيم الجنة وعذاب النار ماديان ، وليسا معنويين فقط ؛ لأن البعث حق ، ويجب التنبه إلى أن حقائق اليوم الآخر سواء أكانت معنوية أم كانت مادية لا تتسع لها لغتنا ، وأي لغة من اللغات ، لأنها أعلى من مستوى حياتنا ، ونحن نعبر عمّا هو من معايشنا ، وفيما هو في طاقتنا . ولكن تعبير القرآن عن الآخرة وما فيها هو اللغة العربية ، وإن كانت أعلى مما يستطيعه البشر . ولذلك كانت تعابير العربية لتقريبها من مألوفنا ، ولكي نتسامى إلى معرفة ما ينتظر المتقين من نعيم مقيم ، وما ينتظر العصاة من عذاب مهين . ولقد ورد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت » . وروى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أن عبارات القرآن ، فيما يتعلق بالجنة والنار ، مجازية في ألفاظها . ولكن مع إيماننا بهذه الحقائق ، يجب أن نقرر أن ما ذكر من رمان ، وعسل مصفى وخمر لذة للشاربين ، هي مما يجوز إطلاق هذه الأسماء عليه ، ولكنه نوع آخر ، ليس من جنس الأنواع في حياتنا هذه ، وإن كان لها اسمها ، ولذا وصفت خمر الآخرة بأنهم لا يصدّعون عنها ولا ينزفون ، ولكن فيها لذة للشاربين . هذه كلمات نقولها في ختام بحثنا عن يوم القيامة ، وما يجرى من بعده من حساب وعقاب وثواب . والقرآن الكريم روضة يانعة مستمرة فيها الحقائق عن الغيب كله بمقدار ما تدركه عقولنا ويقرب إلى أفهامنا ، والحقائق كاملة في غيب اللّه ، اللهم اكتبنا من الشاهدين .